محمد الغزالي
155
خلق المسلم
بالموت لدعوت به ! ! ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له ، فقال : « إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه ، إلا في شيء يجعله في هذا التراب » « 1 » . فهذا الصاحب الجليل كان يبني فعلا ، ولكنه لحساسيته الشديدة بوجوب الإنفاق في سبيل اللّه حسب أن ما يتكلفه في البناء من نفقة لا أجر له فيه ، وهو لا أجر له فيه بتة إن كان يبني مفاخرة ومكاثرة ، وذهولا عن الآخرة ، وتعشقا للدنيا ، أما إن كان يبني ما يقيه ويكفله فإن أجره فيه مدخر ، والبناء هنا عبادة « 2 » . وأما الأثاث ، فحكم الإسلام فيه حاسم ، فقد قطع دابر الترف داخل حجرات البيت ، وكره انتشار الطنافس والزخارف في نواحيه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : « إياك والتنعم فإنّ عباد اللّه ليسوا بالمتنعمين » « 3 » . ومن ثمّ حرم الإسلام أواني الذهب والفضة ومفارش الحرير والديباج . وبحسب الناس أن تكون أوانيهم من المواد المعهودة ، وأن تكون مفارشهم كذلك . عن حذيفة قال : « نهى رسول اللّه أن نشرب في آنية الذهب والفضة ، وأن نأكل فيها ، وعن لبس الحرير والديباج ، وأن نجلس عليه » « 4 » . * * * قد يفهم من ذلك أن الخشونة سمة الحياة الإسلامية ، ولو صح هذا الفهم فأي عيب فيه ؟ على أنه من المستغرب أن تقرن ليونة العيش باستعمال الحرير والذهب ! ! وإن جماهير البشر يمكنهم أن يحيوا سعداء وادعين ؛ دون أن يتحلوا بذهب أو يرتدوا الحرير . لكن الإسلام يريد أن يجتث جذور الترف من معيشة الفرد ومعيشة
--> ( 1 ) البخاري . ( 2 ) يراجع مبحث الإخلاص . ( 3 ) أحمد . ( 4 ) البخاري .